الغزالي

165

إحياء علوم الدين

وأما حسن الخلق فلا بد منه . إذ رب عاقل يدرك الأشياء على ما هي عليه ، ولكن إذا غلبه غضب أو شهوة ، أو بخل أو جبن ، أطاع هواه ، وخالف ما هو المعلوم عنده لعجزه عن قهر صفاته ، وتقويم أخلاقه . فلا خير في صحبته وأما الفاسق المصر على الفسق ، فلا فائدة في صحبته ، لأن من يخاف الله لا يصر على كبيرة ، ومن لا يخاف الله لا تؤمن غائلته ، ولا يوثق بصداقته ، بل يتغير بتغير الأغراض وقال تعالى * ( ولا تُطِعْ من أَغْفَلْنا قَلْبَه ُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواه ُ ) * « 1 » وقال تعالى * ( فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها من لا يُؤْمِنُ بِها واتَّبَعَ هَواه ُ ) * « 2 » وقال تعالى * ( فَأَعْرِضْ عَنْ من تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا ولَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ) * « 3 » وقال * ( واتَّبِعْ سَبِيلَ من أَنابَ إِلَيَّ ) * « 4 » وفي مفهوم ذلك زجر عن الفاسق وأما المبتدع ، ففي صحبته خطر سراية البدعة وتعدى شؤمها إليه . فالمبتدع مستحق للهجر والمقاطعة ، فكيف تؤثر صحبته ! وقد قال عمر رضي الله عنه ، في الحث على طلب التدين في الصديق ، فيما رواه سعيد بن المسيب قال : عليك بإخوان الصدق تعش في أكنافهم فإنهم زينة في الرخاء ، وعدة في البلاء . وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك ما يغلبك منه . واعتزل عدوك ، واحذر صديقك إلا الأمين من القوم ، ولا أمين إلا من خشي الله فلا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره . ولا تطلعه على سرك ، واستشر في أمرك الذين يخشون الله تعالى وأما حسن الخلق ، فقد جمعه علقمة العطاردي في وصيته لابنه حين حضرته الوفاة . قال يا بني ، إذا عرضت لك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا خدمته صانك ، وإن صحبته زانك وإن قعدت بك مئونة مانك . اصحب من إذا مددت يدك بخير مدها ، وإن رأى منك حسنة عدها ، وان رأى سيئة سدها . اصحب من إذا سألته أعطاك ، وإن سكتّ ابتدأك ، وإن نزلت بك نازلة واساك . اصحب من إذا قلت صدّق قولك ، وإن حاولتما أمرا أمّرك ، وإن تنازعتما آثرك . فكأنه جمع بهذا جميع حقوق الصحبة ، وشرط أن يكون قائما بجميعها . قال ابن أكثم ، قال المأمون فأين هذا ؟ فقيل له أتدري لم أوصاه بذلك ؟ قال لا قال لأنه أراد أن لا يصحب أحدا وقال بعض الأدباء : لا تصحب من الناس إلا من يكتم سرك ، ويستر عيبك . فيكون

--> « 1 » الكهف : 28 « 2 » طه 16 « 3 » النجم : 29 « 4 » لقمان : 15